بيروت، لبنان – "كانت مريم للتو أتمت عامها الثاني قبل أيام قليلة، ورغم صغر سنها فهذا نزوحها الثاني منذ ولادتها"، تقول والدتها نادية* التي لجأت مع أسرتها إلى مدرسة سن الفيل في العاصمة اللبنانية بيروت.
ولم نعد نسمع أصوات الطلاب في صفوفهم يتردد صداها في الممرات. المكان يسوده همس العائلات التي ينتابها الخوف بعدما فقدت كل شيء. بالنسبة لمريم، أصبحت الجدران الخرسانية مسرحًا مألوفًا يثير في النفس شعورًا مؤلمًا.
تُعد هذه العائلة من بين عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يبحثون عن ملجأ آمن بعد أن اشتدت في الأيام الأخيرة الغارات الجوية الإسرائيلية في جنوب لبنان ووادي البقاع والضواحي الجنوبية لبيروت.
"إننا نعيش هذا الكابوس من جديد"، هكذا صرّحت نادية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية. عادت عائلتها إلى نفس مكان النزوح الذي غادروه قبل عام واحد فقط، بعد أن قضوا فيه أكثر من شهرين خلال نزاع عام 2024، الذي خلّف في ذروته آلاف القتلى وأكثر من مليون نازح.
حجم الأزمة الحالية يتصاعد بسرعة: فبعد صدور أمر إخلاء كامل للمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والضواحي الجنوبية لبيروت بأكملها، وعشرات القرى في البقاع، يواجه أكثر من مليون شخص - أي ما يقرب من خُمس السكان - خطرًا وشيكًا بالإجبار على مغادرة منازلهم.
"لقد سُلبت منا منازلنا، وأمننا، وخصوصيتنا، وسبل عيشنا مرتين في أقل من عامين"، قالت نادية.
تتزايد مخاطر الصحة والحماية في وقت الأزمات
كانت رحلتهم محنة شاقة استمرت 14 ساعة. فرّوا ولم يكن معهم سوى ملابسهم، وانضموا إلى آلاف السيارات العالقة في زحام مروري خانق. لم تتمكن جميع مراكز الإيواء المكتظة على طول الطريق استقبال العائلة، إلى أن تمكنوا من اللجوء إلى مدرسة في بيروت.
قالت نادية، التي وصفت الظروف القاسية والبرد القارس مع ندرة الإمدادات: "نمنا في السيارة ليلتين حتى وصلنا أخيراً إلى المدرسة. وصلت المراتب هذا الصباح فقط".
قيل أن امرأة واحدة على الأقل وضعت مولودها في الشارع بعد أن علقت في زحام المرور أثناء فرارها من القصف.
تلقت السيدة المساعدة من وحدة طبية متنقلة تابعة لصندوق الأمم المتحدة للسكان، تضم ممرضة وطبيبة نسائية وأخصائية اجتماعية، تم تعيينهما للوصول إلى النازحين الذين هم في أمس الحاجة إلى الرعاية الصحية والحماية. كما تم إرسال قابلة لرعاية النساء الحوامل النازحات في غرفة استشارة مؤقتة.
مع ازدحام الطرقات والضغط على المستشفيات، بات الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في لبنان صعباً للغاية، مما يزيد من مخاطر الحمل غير المرغوب فيه والمضاعفات الخطيرة التي تهدد حياة الحوامل. وقد أفادت التقارير أن امرأة واحدة على الأقل وضعت مولودها في الشارع بعد أن علقت في زحام المرور أثناء فرارها من القصف.
حتى بعد وصول الناس إلى أماكن اللجوء، لا يوجد ضمان للأمان أو الإمدادات الأساسية. فمعظمها مكتظة وغير صحية وتفتقر إلى أي مرافق منفصلة للنساء والفتيات. وتتكدس العائلات في فصول دراسية لا يفصل بينها سوى ستارة، والإضاءة غير الكافية تزيد من خطر تعرض النساء والفتيات للعنف القائم على النوع الاجتماعي.
"الوضع كارثي. إحدى المدارس التي ندعمها في المنطقة تستضيف حاليًا أكثر من 800 عائلة"، هذا ما قالته سيندي حكيمي، مديرة برنامج الصحة في منظمة كاريتاس، الشريك المحلي لصندوق الأمم المتحدة للسكان. وأضافت: "ينام الرجال في السيارات، بينما تنام النساء والأطفال في العراء، في الممرات وعلى البلاط البارد".
صندوق الأمم المتحدة للسكان يوسع نطاق الاستجابة في جميع أنحاء لبنان
مع تزايد الاحتياجات الصحية والحماية، يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان مع حكومة لبنان والشركاء المحليين على توسيع نطاق عملياته بسرعة لتوفير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي.
حتى الآن، أُجبر نصف المرافق التي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان في المناطق المتضررة من النزاع على الإغلاق بسبب العنف، ونزح العديد من العاملين في مجال الصحة، مما ترك الخدمات المتبقية تعاني من نقص حاد في مقدمي الخدمة.
"الوضع كارثي" – سيندي حكمه
جاء ريما* المخاض في مدرسة سن الفيل خلال نزاع عام 2024، وأحالها أحد شركاء صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى مستشفى قريب لتضع مولودها. وهي الآن تقيم في المدرسة نفسها مع ابنتها سما، التي تبلغ من العمر عامًا ونصف. ورغم أن الناس يقولون لها إن سما "سيئة الحظ"، إلا أن ريما لها رأي آخر: "إنها ملاكي، لكنني لا أعرف كيف أحميها بعد الآن".
رغم هذه التحديات، نشر صندوق الأمم المتحدة للسكان سبع وحدات طبية متنقلة في أنحاء لبنان لتقديم الرعاية الصحية للأمهات ودعم طوارئ الولادة في الملاجئ الجماعية. ويجري توزيع مساعدات نقدية على الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي اللواتي يحتجن إلى مأوى خارج المناطق الجماعية، كما تُعقد جلسات توعية حول الحماية من الاستغلال والاعتداء الجنسيين.
كما يضمن صندوق الأمم المتحدة للسكان الإدارة السريرية لحالات الاغتصاب، والدعم النفسي والاجتماعي، وتوزيع حقائب الكرامة التي تحتوي على مستلزمات النظافة الشخصية ومستلزمات الدورة الشهرية، بالإضافة إلى حقائب الأطفال الأساسية للنساء الحوامل والأمهات الجدد.
*تم تغيير الأسماء حفاظاً على الخصوصية والحماية