غزة، الأرض الفلسطينية المحتلة - قالت أمل*، من خان يونس جنوب غزة: "عندما طلبت عمتي يدي لابنها، وافق والدي على الفور". لكن الحفل لم يكن سعيدًا، على الأقل بالنسبة لها. وأضافت: "لم يكن هناك حفل زفاف، ولا فستان، ولا احتفال. شعرتُ وكأنه صفقة للتخلص من عبء ثقيل".
تتزايد حالات زواج الأطفال في غزة، حيث يؤدي النزوح والفقر وانهيار الأنظمة الاجتماعية والقانونية والصحية وأنظمة الحماية إلى تفاقم انعدام الأمن، مما يجبر الأسر على خيارات مستحيلة. ويرى كثيرون أن تزويج البنات وسيلة للتكيف مع الأوضاع المالية، أو لحماية الفتيات من الاعتداء الجنسي والإكراه، وهما أمران شائعان للغاية في حالات الأزمات.
"تزوجت لأهرب من محنة لأجد نفسي في محنة أخرى." – أمل، 15 سنة
أمل، التي كانت تبلغ من العمر 14 عامًا فقط آنذاك، بحثت عن بصيص أمل وسط يأسها. "قلت لنفسي ربما ستكون الحياة أفضل. ربما سيهتم بي أحدهم ولن أنام جائعة. لكن ليلة زفافي كانت صعبة للغاية."
عانت أمل من نزيف حاد نتيجة إجبارها على ممارسة الجنس وهي طفلة، في ظل سوء التغذية، وضعف جسدها النحيل جراء أشهر من النزوح والضغط النفسي. وقالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية: "تزوجت هرباً من محنة، لأجد نفسي في محنة أخرى".
تسببت الحرب في التراجع عن التقدم المحرز في عقود في الحد من زواج الأطفال في غزة: ففي عام 2022، انخفضت الزيجات المسجلة للفتيات دون سن 18 عامًا إلى 17.9 في المائة، من أكثر من 28 في المائة في عام 2009. وعلى الرغم من أن البيانات شحيحة الآن بسبب تدمير أنظمة المعلومات والقانون والصحة إلى حد كبير، إلا أن العاملين الاجتماعيين يبلغون عن ارتفاع حاد في المعدلات.
ومع ذلك، من المرجح أن تكون هذه الأرقام أقل من الواقع؛ إذ لن يتم تسجيل العديد من الزيجات رسميًا إلا لاحقًا، بعد استقرار الخدمات، أو عندما تبلغ الفتاة السن القانونية أو تحمل. كل هذا يترك الفتيات محرومات من الحماية القانونية أو حقهن في ممارسة حقوقهن.
ارتفاع معدلات حمل المراهقات – ومخاطره
في ديسمبر / كانون الأول 2025، كانت نسبة 10% تقريباً من حالات الحمل المسجلة حديثاً بين المراهقات، وكثيرات منهن يعانين من سوء التغذية وفقر الدم وقلة فرص الحصول على الرعاية قبل الولادة.
"لطالما رفضتُ فكرة الزواج. كنتُ أرغب في النجاح في مشروع صالون التجميل الخاص بي وبناء مستقبلي"، هكذا قالت هبة* من بيت حانون شمال غزة، والتي تزوجت في سن السادسة عشرة. "لكن الحياة التي حلمتُ بها تبددت. عانيتُ من حالات إجهاض متكررة خلال ستة أشهر. الحرب أخذت مني بيتي وعملي وحتى حملي".
لا تستطيع سوى ربع المرافق الصحية في غزة حالياً تقديم خدمات رعاية التوليد الطارئة ورعاية حديثي الولادة، مما يزيد بشكل كبير من خطر حدوث مضاعفات. ومع ندرة الإمدادات المسموح بدخولها إلى القطاع، بما في ذلك مستلزمات الصحة الجنسية والإنجابية الأساسية، قد تكون العواقب وخيمة، بل ومميتة.
بالنسبة لأمل، كان إنجاب طفل أمراً شبه مستحيل. "أفكر الآن في أن أصبح أماً، لكنني أظل أتساءل كيف سأطعم طفلي، وهل سيتحمل جسدي الحمل والولادة؟"
"عانيتُ من حالات إجهاض متكررة خلال ستة أشهر. الحرب أخذت مني بيتي وعملي وحتى حملي". – هبه، 17 سنة
السترة وانهيار أنظمة الحماية
كذلك تتزايد التقارير عن الإكراه والعنف القائم على النوع الاجتماعي والضغوط النفسية الشديدة التي تتعرض لها الفتيات المراهقات في غزة. بالنسبة للعديد من الأسر، يمثل الزواج شكلاً من أشكال الحماية من الإساءة، أو "السترة"، ولكنه قد ينطوي أيضاً على مخاطره الخاصة، مثل عنف الشريك الحميم، والحرمان من الحقوق، وحمل المراهقات.
لتوفير بيئة آمنة تستطيع فيها الفتيات طلب المساعدة الفورية والطويلة الأمد، يدعم صندوق الأمم المتحدة للسكان حالياً 20 مركزاً آمناً، و15 مركزاً للشباب، و11 خيمة للفتيات في أنحاء غزة. تقدم هذه المراكز خدمات الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والحماية منه، والدعم النفسي، ومعلومات عن الصحة الجنسية والإنجابية، ومستلزمات النظافة، وجلسات توعية لمكافحة تزايد زواج الأطفال والحمل المبكر.
"وافقت على الزواج في سن الخامسة عشرة لأنه كان يملك منزلاً، واعتقدت أن ذلك سيوفر لي الأمان والاستقرار" - صفاء، 16 عاماً
ولعل الأهم من ذلك كله، أنها تمثل ملاذا نادرا حيث يمكن للفتيات أن يجدن إحساساً بالحياة الطبيعية في خضم الأزمة.
فرّت صفاء* من ملجأ إلى آخر بعد قصف منزل عائلتها في شمال غزة. وقالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان في المساحة الآمنة: "لم يكن هناك خصوصية، ولا طعام، ولا أمان. كانت والدتي الحامل تزداد ضعفًا يومًا بعد يوم، وكنت أعاني أيضًا من سوء التغذية. وافقت على الزواج في الخامسة عشرة من عمري لأنه كان يملك منزلًا، واعتقدت أن ذلك سيوفر لي الأمان والاستقرار".
لكن سرعان ما تبدد ذلك الأمل. "لم يكن هناك منزل، ولا احتفال، فقط خيمة. شعرتُ بأنني أكبر من سني، أحمل مسؤوليات تفوق طاقتي. والآن أنتظر طفلاً في غرفة متهاوية، بعد كل ما فقدناه."
كما تم تدمير غالبية المدارس في غزة أو تحويلها إلى ملاجئ، مما يعني فقدان أحد أقوى عوامل الحماية ضد زواج الأطفال.
قالت منال*، البالغة من العمر 17 عاماً، في مساحة آمنة بدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان: "بسبب الحرب، اضطررتُ لترك المدرسة. واليوم أجلس في إحدى مدارس الملاجئ، أعيش كزوجة تحت سقف من الألم، لا كطالبة تحمل كتبها وتحلم بمستقبلها".
استجابة صندوق الأمم المتحدة للسكان
إلى جانب الدعم الفوري، تساعد المبادرات التي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان للشباب في غزة الفتيات على بناء مهارات القيادة والمشاركة في المبادرات التي يقودها الشباب، مما يمكّنهن من لعب دور فعال في مجتمعاتهن والحفاظ على الأمل في مستقبل أفضل.
قالت ياسمين، وهي متطوعة شابة: "إن خيمة الفتيات مهمة ليس فقط لأنها تركز على الفتيات المراهقات، بل لأنها تعزز الرعاية الذاتية في مثل هذه الأوقات الصعبة. وقد أظهر الإقبال الكبير والأسئلة الرائعة مدى الحاجة إلى هذا الدعم".
* تم تغيير الأسماء حفاظاً على الخصوصية والحماية